خطرات و ومضات في أنباء الغيب
(117) توالت انتصارات الفرس الساسانيين على الروم البيزنطيين, وامتد توغلهم لأطراف البحر الميت في الفترة بين تدمير كنيسة القيامة بفلسطين عام 614م والتوجه نحو مصر واحتلالها عام 619م؛ أي حوالي عام 617م, وبعد حوالي 7 سنوات عام 624م؛ عام نصر المسلمين في بدر, باغت هرقل الفرس بالإبحار خلال البحر الأسود؛ فاستولى على أذربيجان ودمر أكبر معبد نار مجوسي, وكلها أحداث تنبأ بها القرآن الكريم؛ ووقعت كما أخبر: غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ الروم: 2-5.
(118) أثبتت القياسات الحديثة أن مستوى سطح البحر الميت يقل بحوالي 400 متر عن سطح البحر الأبيض المتوسط, وأن المنطقة حوله حيث غلب الفرس الروم حوالي عام 617م (614-619م)؛ هي أدنى الأرض وأقل ارتفاعا على سطح اليابسة, وفي القرآن الكريم: غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ الروم: 2و3, قال الشيخ أحمد حطيبة: "أي.. أخفض منطقة من الأرض", وقال الشيخ عبد الرحمن القماش: "خلاصة القول (أنها).. أخفض أجزاء اليابسة علي الإطلاق".
(119) قال الجيولوجي فرانك برس: "الغالب أن الأرض الأولية كانت خليطا متجانسا من المواد, ثم تميزت إلى طبقات؛ فنزل الحديد إلى لب الأرض وخرجت المواد الأخف لتكون التربة وكل أشكال الحياة", وفي القرآن الكريم: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا النازعات: 31, وفي المقابل: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ الحديد: 25, والحديد مكون أرضي وماضي (أنزلنا) يجعل الحدث متعلقا بالتكوين؛ ولا قرينة تجعل النزول من السماء؛ خاصة مع النص مرارًا على نزول الماء من السماء.
(120) الغلاف المغناطيسي Magnetosphere يتولد من حركة الحديد في لب الأرض, ويتكون من طبقات في أعالى الجو تدفع عنها خطر الجزيئات المشحونة القاتلة التي تصدرها الشمس؛ وكأنها أرتال جيش شديد البأس, وإن لم تكن له منفعة سوى حفظ حياة الناس جميعا لكفت, وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ الحديد: 25.
(121) يحتاج الإنسان في البادية لفراش يحميه من خطر الأشواك والحصى أسفله؛ والغلاف الصخري للأرض يحمي الإنسان من خطر لهيب الباطن أسفله, وفي القرآن الكريم: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا البقرة: 22, والفراش طبقة سطحية على الأرض والغلاف الصخري طبقة سطحية منها؛ والتشبيه بجامع الامتداد والتغطية والفوقية والرِّقَّة والحماية, قال شمس الدين الشربيني: "معنى جعلها فراشاً.. صيرها.. مهيأة.. كالفراش المبسوط.. يفترشونها كما يفعلون بالمفاريش".
(122) في قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ البقرة: 22؛ قال ابن عاشور: "(جعل لكم الأرض فراشا).. كَالْفِرَاشِ.., (وَالسَّماءَ بِناءً).. (يفيد أن) الْكُرَةِ الْهَوَائِيَّةِ وَاقِيَةَ.. مِنْ إِضْرَارِ طَبَقَاتٍ فَوْقَهَا.., فَهِيَ كَالْبِنَاءِ (أو الخباء).. فَشُبِّهَتْ بِهِ", وقال ابن كثير: "فراشا؛ أي مهدا كالفراش.., {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً}.. هو السقف (للبناء).., وأنزل لهم من (السماء) ماء..؛ المراد به السحاب هاهنا”.
(123) البساط الممدود حاجز فوق الأرض يحمي من وعورة الصحراء؛ فَضُرِبَ به المثل في القرآن الكريم للغلاف الصخري للأرض المفروش حمايةً لأهلها من لهيب الباطن المستعر, وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا نوح: 19, ولفظ (الجعل) يعني التصيير؛ فيفيد أن سطحها لم يكن موجودا عند التكوين؛ فتكون عن إرادة وقصد حمايةً للإنسان القادم من بعد.
(124) الغلاف الصخري للأرض يحمي قاطنيها من الأخطار أسفله كمهد الصبي في البادية يحميه من وعورة الأرض والأخطار أسفله, وهو نفس المثل في القرآن الكريم: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا طه: 53, قال المغامسي: "جعل الله الأرض بالنسبة للناس كالمهد بالنسبة للصبي", وقال القرطبي: " أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا .., كَالْمَهْدِ لِلصَّبِيِّ".
(125) الغلاف الصخري للأرض مكون من ألواح تحمل القارات والمحيطات بهيئة قطع متجاورات تكثر على أطرافها الزلازل والبراكين, وبينها صدوع عميقة متصلة كأنها صدع واحد, وفي القرآن الكريم: وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ الطارق: 12.
(126) مع تشكل القشرة الأرضية من كتل الصهير التي تلقيها البراكين الأولية؛ تكون الغلاف الجوي من الدخان المنبعث؛ ولم يتمكن بخار الماء المتصاعد من التكاثف سحبًا والنزول مطرًا حتى بردت القشرة والجو, وتحول الجو من دخان لطبقات شكلت سماء الأرض بعد نشأتها, وفي القرآن الكريم في مقام بيان تكون الجو بعد نشأة الأرض: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فصلت: 11, قال الطبري: “(هو) الدخان الذي جعله الله للأرض سماء"؛ أي غلافها الجوي.
(127) قال تعالى: وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ الذاريات: 48, وقبل وجود الإنسان ليشاهد ما حوله ويعرف خالقه؛ مُهِّدَت الأرض بسطح صخري كالفراش يحمي قاطنيها من لهيب باطنها, ومن البديهيات أن الصدفة لا تصنع نظاما؛ وإنما سبق التأهيل لا تنجزه سوى مشيئة مقتدرة واعية, وسبق التقدير ينطق بطلاقة القدرة والعلم المحيط للمبدع القدير.
(128) يختص المحيط بصدوع عميقة بين الألواح القارية Tectonic Plates؛ يندفع منها دوما الصهير من باطن الأرض ليكون سلاسل جبلية تحت سطح البحر؛ وكأن البحر مُسَجَّر بالنيران, وفي القرآن الكريم: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُور الطور: 6.
(129) الغلاف الصخري للأرض مكون من عدة ألواح قارية, فهو ليس قطعةً واحدةً؛ وإنما قطع متجاورات وفق ما نطق به الكشف العلمي حديثا, وهو نفس الوصف الذي نطق به القرآن الكريم صريحًا: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَات الرعد: 4, وتشبيه الغلاف الصخري بمهد الصبي ورد بالجمع (مهاد)؛ بيانا لكونه قطع متجاورات: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا النبأ: 6.
(130) نتيجة لاختلاف درجة حرارة البحار العميقة تتولد تيارات سطحية وأخرى سفلية في الاتجاه العكسي؛ ويولد الاحتكاك بينهما موج داخلي, ونتيجة لتكاثف بخار الماء فوق سطح البحار تكثر السحب فتجب بعض ضوء الشمس وتولد ظلمة, ونتيجة للأمواج الداخلية تشتد الظلمة مع العمق حتى ينعدم الضوء أو يكاد على عمق حوالي ألف متر, وفي الأعماق اللجية السحيقة تسترشد الأسماك بنور كيميائي, وفي القرآن الكريم: أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لّجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ النور 40.
| الصفحة: | 1 | ... | 2 | ... | 3 | ... | 4 | ... | 5 | ... | 6 | ... | 7 | ... | 8 | ... | 9 | ... | 10 | ... | 11 |